Monday, April 13, 2015

التداوي بالرقى الإلهيّة (7) - الراقون وكاتبو التمائم

الراقون وكاتبو التمائم

سوّل الشيطان لكثير ممّن لا خلاق لهم ولا دين أن ينصبوا أنفسهم لرقي الناس وكتابة التمائم والحجب، ويتّخذوا من هذه مهنة يتكسّبون منها ويبتزّون بها بالباطل أموال العوامّ والطغام والجهلة البسطاء والمخرّفين الذين يشكّلون الغالبيّة العظمى في عالم المسلمين المعاصر، أضف إلى ذلك تخريبهم لدينهم ولدنياهم.
جاء في "قاموس الصناعات الشاميّة" للقاسميّ (ص231): "والمحترفون بهذه الحرفة في غاية من الكثرة، وبعضهم أكثر رواجًا من بعض، يأتي إليهم النساء _وهم أكثر زبائنهم_ ثمّ البسطاء من الرجال، ويشكون إليهم مرضًا عَسُرَ برؤه أو وسواسًا أو أحلامًا مخيفة أو سرقة دراهم أو حليّ أو دابّة أو نكاية عدوّ أو ضرّة، ويطلبون منهم حُجُبًا؛ فعند ذلك يقرأ الراقي على المَرْقِيّ، وينفث عليه، ويَعِدُه بتميمة يعلّقها أو ورقة كذلك، ولكن بعد أن يشترط عليه من الدراهم مقدارًا ومن البخورات ومن أدوات الحجاب ما شاء هواه وقلّة دينه وتقواه وأكله أموال الناس بالباطل الذي ما أنزل الله به من سلطان.
كثر في هذه الحرفة الدجّالون والمتكهّنون والجهلة كثرة عجيبة؛ نساء ورجالاً، ولم يزل الاعتقاد فيهم قويًّا رغمًا عن أخذ الكون بالتنبّه وترقّي الأفكار، ولكن لا عجب؛ فهل يخلو الكون من الحمقى والأغرار والمغفّلين؟! هيهات! فما دام هؤلاء في هذا الوجود كانت معيشة أولئك عليهم.
          ماذا يعدّ المرء من مخازي كثير من الأشقياء المحترفين بهذه الحرفة الأبالسة؟! وكم كانوا سببًا في هتك أعراض وفراق أزواج! وكم ارتكبوا الفواحش بمُخَدَّرات يأتينَ إليهم ويلقينَ إليهم القياد تخلّصًا ممّا ألمّ بهنّ ويعتقدون الشفاء أو النجاح في الأمل عندهم".
          قال: "وقد حكى الثقات عن دجّال سكن ظاهر البلدة؛ أنّه كان يكتب للمرأة على بطنها ويقول لها: لا يؤثّر إلاّ هنا، وكان كلّما كتب يلحس، كأنّه غلط، ليستأنف الكتابة؛ قبّحه الله! وقال آخر مرّة لامرأة: هذه التميمة لا تكتب إلاّ بماءين؛ ماء رجل وماء امرأة، حتّى اضطرّها بخداعه إلى أن سلّمته نفسها، وأوهمها أنّه يأخذ ماءها وماءه عليه لعنة الله... وحدّثني أحد صالحيهم أنّه بالرغم عنه يُؤتى ليرقيَ، وأنّه ما كلّمته امرأة إلاّ وأمذى!! فتأمّل! وهذا صالحهم؛ فكيف بغيره؟!
          ولهم عجائب في اقتراح الخيوط والحرير والأوعية والحبر، والإتيان بعصفور أو صرصور ووضعه حيًّا في قُزَيّزة على حجمه، ولحمها وسدّها عليه!! وكذلك الكتابة على أسفل القدم أو بالدم وغير ذلك...
          وأقلّ أحوال هذه الحرفة الدنيئة أن يدخلها الكذب والخداع رغمًا عن كلّ احتياط وتورّع، أليس يقول للمرقي: ائتني بوعاء لأكتب عليه، وهاته في الوقت الفلانيّ، وإيّاك أن تتأخّر... تدليسًا وتلبيسًا؟!
          ولو أنّ هؤلاء درسوا علم النجوم ومطالعها؛ لكان يقال: يريدون أن ينهجوا منهج الفلاسفة المنجّمين، فينتقل الكلام معهم إلى بحث التنجيم واعتماد المطالع، فيقال: رجعوا إلى علم ومشوا مع قواعد الفنّ، وأمّا هؤلاء؛ فلا علم ولا عمل ولا دين ولا تقوى" اهـ.
          وكنت أظنّ أنّ أهل البوادي والقرى هم الضحايا الذين تنطلي عليهم هذه الترّهات، فإذا بأهل المدن والمثقّفين والجامعيّين والضبّاط وكبار الموظّفين على هذه الحال التي تدمي القلب وتبكي العين!
          وأمّا ما يتقاضاه هؤلاء الناس على حجبهم ورقاهم؛ فحدّث عن ذلك ولا حرج! مبالغ لا يتقاضاها كبار الأطباء على مشورتهم الطبيّة، ومنهم من يجمع في يومه ما لا يجمعه طبيب في شهر بطوله!!
          ومن العجائب أنّ كثيرًا منهم يصنّعون أدويتهم الخاصّة بأنفسهم، وذلك بغلي الورق المكتوب عليه بعض الآيات القرآنية أو التمائم الأخرى، وغلي خليط عجيب من الأعشاب التي لا يحسنون اختيارها ولا يدركون تأثيراتها، ثمّ يبيعون هذه الأدوية الملوّثة كيماويًّا وبكتيريًّا بأسعار خياليّة، فغالبًا ما تضرّ بمتعاطيها، وربّما تسبّب له التسمّم أحيانًا.
          والمصيبة أنّ هؤلاء الراقين يُهْرعون إلى الطبّ الحديث وأهله كلّما أصيبوا بالمرض في أنفسهم أو أهليهم، وكثير من الناس قد رأى هذا وعلمه حقّ العلم، ولكنّهم لا يتّعظون!!
          والأخطر من هذا كلّه اعتماد بعض المرضى على هؤلاء الناس حتّى تستفحل أدواؤهم وتضيع فرص شفائهم، وهذا أمر يعلمه الأطبّاء الذين خدموا يومًا في الأرياف أو المناطق النائية حقّ العلم.
          ولو نظر العاقل فيما تقدّم من الأدلّة والبراهين وأقوال أهل العلم؛ لعلم أنّ طلب الرقية المشروعة من الصالحين حقًّا وصدقًا أمرٌ غير مستحبّ شرعًا؛ فكيف بمن اتّخذ الرقى والتمائم مهنة يتكسّب بها ويبتزّ أموال الناس ويخلط الحقّ بالباطل ويموّه على الآخرين ويلبّس عليهم أمور دينهم ويفسد أمور دنياهم؟!
          ولا يُلتفت إلى من استدلّ لجواز أكل أموال الناس بهذا بأنّ النبيّ r أقرّ بعض أصحابه على ما أخذوه من الأجرة على الرقى؛ فهذا شيء وذاك شيء: فأبو سعيد الخدريّ t ما أخذ أجرًا على الرقية إلاّ لمّا منعه القوم قِرى الضيف الذي هو حقّه الواجب له شرعًا _كما سيأتي قريبًا_ فكافأهم فعلاً بفعل. وعمّ خارجة t أخذ هديّة وعطيّة لا أجرة شارط عليها أو أشار إليها أو تطلّع للحصول عليها. والمتأمّل في قول أبي سعيد في حديث رقيته "فقام رجل منّا ما كنّا نظنّه يحسن رقية" لن يجزم بأنّه لم يكن في الصحابة والسلف الصالح من جعل الرقى مهنته ووسيلته للعيش وجمع المال فحسب، بل سيعلم حقًّا أنّ ما جاء عنهم من الرقى بأجرة وبدونها إنّما هي حوادث عابرة وقعت اتّفاقًا لا عادة.
          وحسب الموفّق في هذا حديث عثمان بن أبي العاص t لمّا شكا ألمه للنبيّ r، فقال له: "ضع يدك على المكان الذي تَأْلَم من جسدك، وقل: بسم الله..." إلخ. أما كانت يد رسول الله r خيرًا من يده ودعاؤه أسرع إجابة؟! بلى والله. لكنّه r أراد أن يعلّم أصحابه وعموم المسلمين: أن يكونوا هم الذين يرقون أنفسهم، وأن يتّجهوا بقلوبهم إلى ربّهم، وأن يخلصوا الدعاء إليه، ويحسنوا التوكّل عليه، فينالوا بذلك الشفاء في الدنيا والنجاة في الآخرة.

فهرسة موضوعيّة:   
1) قلّة الدين والتقوى لدى كتّاب الحجب والتمائم.   2) يؤمن كثير من المثقّفين بأهل الحجب والتمائم.   3) مخازي كتّاب التمائم وعجائبهم.    4) كتابة الحجب والتمائم حرفة دنيئة.   5) إضرار كتّاب الحجب والتمائم بصحّة الناس ودينهم ودنياهم.   6) أصحاب التمائم يلجؤون في أمراضهم وأمراض أبنائهم وبناتهم إلى الطبّ الحديث.   7) جمع كتّاب الحجب والتمائم للأموال بالباطل.   8) لا يستدلّ لجواز كتابة الحجب والتمائم بما ورد في ذلك عن الصحابة.   9) من سنّة النبيّ r أن يرقي المرء نفسه.

No comments:

Post a Comment