Monday, April 13, 2015

التداوي بالرقى الإلهيّة (4) - لـماذا لا تؤثّر الرقى أحيانًا؟

لـماذا لا تؤثّر الرقى أحيانًا؟

هاهنا طائفة استبعدت موضوع الرقى الإلهيّة من حياتها نهائيًّا؛ فلا يعرفون إلاّ الأدوية الماديّة، ولا يعتمدون إلاّ عليها، ولا يرون في الرقى الإلهيّة إلاّ خرافات وأوهامًا لا ينبغي أن يلتفت إليها المثقّف المعاصر!
وطائفة أخرى كبيرة لجأت إلى الرقى الإلهيّة لعلاج شكوى ألمّت بهم مرّة في الدهر، ولمّا لم يجدوا لهذه الرقى فعلاً ولا أثرًا؛ هجروها وانقطعوا إلى الحبوب والحقن لا يعتمدون إلاّ عليها.
وطائفة مازالوا على عهد الرقى ظاهريًّا، لكنّهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، التي صمدت بالتوجّه للأدوية المادّيّة.
فهذه طوائف؛ مختلفة الطبائع والإيمانيّات، متّفقة على فقدان الأثر العمليّ للرقى الإلهيّة على سير المرض ومجرياته.
والسؤال الذي يخطر على البال هنا: ما سرّ عدم تأثير الرقى الإلهية لدى أكثر الناس؟
وجوابًا على ذلك أقول: إنّ نجاح العلاج بالرقى الإلهية يقتضي أن يتمتّع المريض بقوّة النفس وصدق التوجّه إلى الله وصحّة التعوّذ الذي يتواطأ عليه القلب واللسان؛ فإن الرقية نوع محاربة، والمحارب لا ينتصر على عدوّه إلاّ بأمرين: أن يكون سلاحه فعّالاً، وأن يكون ساعده قويًّا. فمتى فُقِد أحدهما؛ فشل العلاج وذهب أثر الرقى هباء. فكيف إذا فُقِد الأمران جميعًا؛ فكان القلب خرابًا من التوحيد والتوكّل والتقوى والتوجّه، وكان السلاح صدئًا ضعيفًا؟! فإن وُجِدَ الراقي؛ فلا بدّ من تحقّق الأمرين المذكورين فيه وفي مريضه معًا.
وعلى هذا تواطأ المحقّقون من أهل العلم:

1) قال ابن عبدالبر في "التمهيد" (23/29): "إنّ الرقي يدفع البلاء، ويكشفه الله به، وهو من أقوى معالجة الأوجاع لمن صحبه اليقين الصحيح والتوفيق الصريح".

2) وقال ابن التين: "الرقي بالمعوّذات وغيرها من أسماء الله هو الطبّ الروحانيّ، إذا كان على لسان الأبرار من الخلق؛ حصل الشفاء بإذن الله تعالى، فلمّا عزّ هذا النوع؛ فزع الناس إلى الطبّ الجسماني". نقله العسقلاني في "الفتح" (10/196).

3) وقال ابن القيّم في "الزاد" (4/35-36): "ولا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطبّ النبوّة؛ فإنّه إنّما ينتفع به من تلقّاه بالقبول واعتقاد الشفاء به وكمال التلقّي له بالإيمان والإذعان. فهذا القرآن، الذي هو شفاء لما في الصدور، إن لم يُتَلَقَّ هذا التلقّي؛ لم يحصل به شفاء الصدور من أدوائها، بل لا يزيد المنافقين إلاّ رجسًا إلى رجسهم ومرضًا إلى مرضهم! وأين يقع طبّ الأبدان منه؟ فطبّ النبوّة لا يناسب إلاّ الأبدان الطيّبة كما أنّ شفاء القرآن لا يناسب إلاّ الأرواح الطيّبة والقلوب الحيّة. فإعراض الناس عن طبّ النبوّة كإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن الذي هو شفاء نافع، وليس ذلك لقصور في الدواء، ولكن لخبث الطبيعة وفساد المحلّ وعدم قبوله".
وفصّل في هذا أروع تفصيل في "الداء والدواء" (ص8-10) فقال: "لكن هاهنا أمر ينبغي التفطّن له، وهو أنّ الأذكار والآيات والأدعية التي يُستشفى بها ويُرقى بها هي في نفسها نافعة شافية، ولكن تستدعي قبول المحلّ وقوّة همّة الفاعل وتأثيره، فمتى تخلّف الشفاء؛ كان لضعف تأثير الفاعل، أو لعدم قبول المحلّ المنفعل، أو لمانع قويّ فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء.
كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسّيّة؛ فإنّ عدم تأثيرها: قد يكون لعدم قبول الطبيعة لذلك الدواء، وقد يكون لمانع قويّ يمنع من اقتضائه أثره. فإنّ الطبيعة إذا أخذت الدواء بقبول تامّ؛ كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول.
وكذلك القلب، إذا أخذ الرقى والتعاويد بقبول تام، وكان للراقي نفس فعّالة وهمّة مؤثّرة؛ أثّر في إزالة الداء.
وكذلك الدعاء؛ فإنّه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكنْ قد يتخلّف عنه أثره: إمّا لضعف في نفسه؛ بأن يكون دعاءً لا يحبّه الله لما فيه من العدوان. وإمّا لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيّته عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جدًّا؛ فإنّ السهم يخرج منه خروجًا ضعيفًا. وإمّا لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام والظلم ورين الذنوب على القلوب واستيلاء الغفلة والشهوة واللهو وغلبتها عليه، كما في ["سنن الترمذي" (3479) و]"مستدرك الحاكم" [1/670] من حديث أبي هريرة الحسن بشواهده عن النبيّ r: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أنّ الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه". فهذا دواء نافع مزيل للداء، ولكنّ غفلة القلب عن الله تبطل قوّته.
وكذلك أكل الحرام يبطل قوّته ويضعفها؛ كما في "صحيح مسلم" [1015] من حديث أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله r: "يا أيّها الناس! إنّ الله طيّب لا يقبل إلاّ طيّبًا، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يا أيّها الرسل كلوا من الطيّبات واعملوا صالحًا إنّي بما تعملون عليم﴾ [المؤمنون: 51]، وقال: ﴿يا أيّها الذين آمنوا كلوا من طيّبات ما رزقناكم﴾ [البقرة: 172]". ثمّ ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمدّ يديه إلى السماء يا ربّ يا ربّ! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِيَ بالحرام؛ فأنّى يستجاب لذلك؟!
وذكر عبدالله ابن الإمام أحمد في كتاب "الزهد" لأبيه: أصاب بني إسرائيل بلاء، فخرجوا مخرجًا، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى نبيّهم أن أخبرهم: إنّكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة، وترفعون إليّ أكفًّا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن حين اشتدّ غضبي عليكم، ولن تزدادوا منّي إلاّ بعدًا.
وقال أبو ذرّ: يكفي من الدعاء مع البرّ ما يكفي من الطعام مع الملح" اهـ.
فبهذا ومثله تخلفت الإجابة حتّى لا تكاد تجد مستجابًا له، وتخلّف تأثير الرقى الإلهية حتى لا يكاد أحد يلمسه، وأقبل الناس على الأدوية المادّيّة يأخذون منها بغير حساب ويتوكّلون عليها فوق توكّلهم على خالق الأسباب، ففقدوا بذلك أقوى عوامل الشفاء وأعظم أسبابه، وتركوا هدي نبيّهم r الذي فيه كلّ الرأفة والرحمة بهم، فوُكِلوا إلى ما اتّكلوا عليه، فلا تسمع إلاّ شاكيًا من سوء الدواء وقلّة فاعليّته ومتقلّبًا من علاج إلى آخر ومن طبيب إلى آخر دون جدوى!!

فهرسة موضوعيّة:   
1) لا ينتفع كثير من الناس بالرقى الإلهيّة.   2) الشروط اللازمة للانتفاع بالرقى الإلهيّة.   3) لماذا يفزع أكثر الناس إلى الطبّ الجسمانيّ.   4) فشل الرقى الإلهيّة يرجع غالبًا للطبيعة والمحلّ.   5) الرقى الإلهيّة تشبه الأدوية المادّيّة في تخلّف تأثيرها.   6) الرقى الإلهيّة تشبه القرآن في عدم انتفاع كثير من الناس به.   7) الرقى الإلهيّة تشبه الدعاء في عدم انتفاع الناس به.   8) لا يقبل الله دعاء من قلب غافل لاه.   9) لا يقبل الله دعاء من أكلة المال الحرام.

No comments:

Post a Comment