Monday, April 13, 2015

التداوي بالرقى الإلهيّة (6) - الرقى الـمكتوبة والتمائم


 الرقى الـمكتوبة والتمائم
Oval: الرقى الـمكتوبة والتمائم 




أوّلا: ما هي التمائم؟
هي كلّ ما عُلّق لدفع العين وغيرها من أيّ شيء كان. ويطلق العوامّ في بعض البلدان على التميمة اسم الحجاب.
ثانيًا: ما جاء في النهي عن التمائم:
1) روى: البخاري (3005)، ومسلم (2115)؛ عن أبي بشير الأنصاريّ t؛ أنّ النبيّ r أرسل رسولاً: "لا تبقينّ في رقبة بعير قلادة من وتر (أو: قلادة) إلاّ قطعت". والقلادة: تميمة كانوا يعلّقونها على الحيوان والصبيان لدفع الأذيّة والعين.
2) وروى: أبو داوود (36)، والنسائي (5082)؛ عن رويفع بن ثابت t؛ أنّ النبيّ r قال: "من عقد لحيته أو تقلّد وترًا أو استنجى برجيع دابّة أو عظم؛ فإنّ محمّدًا بريء منه". صحّحه النوويّ والألباني. قال البغوي في "شرح السنة" (11/27): "كانوا يشدّون بتلك الأوتار والقلائد التمائم ويعلّقون عليها العُوَذ، يظنّون أنّها تعصم من الآفات" اهـ.
3) وعن ابن مسعود t؛ أنّ رسول الله r قال: "إنّ الرقى والتمائم والتولة شرك". وقد تقدّم.
4) وما رواه: أحمد (4/156)، والحاكم (4/219)؛ عن عقبة بن عامر الجهنيّ t؛ أنّ رسول الله r أقبل إليه رهط، فبايع تسعة وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله! بايعت تسعة وتركت هذا؟ قال: "إنّ عليه تميمة". فأدخل يده فقطعها. فبايعه، وقال: "من علّق تميمة فقد أشرك". سكت عنه الحاكم والذهبي وقوّاه المنذري والهيثمي والألباني.
5) وما رواه: أحمد (4/310)، والترمذي (2072)، والطبراني (22/385/960)، والحاكم (4/216)؛ عن عيسى بن حمزة؛ قال: دخلت على عبدالله بن عكيم أبي معبد الجهني t أعوده وبه حمرة. فقلنا: ألا تعلّق شيئًا؟ قال: الموت أقرب من ذلك. قال النبيّ r: "من تعلّق شيئًا وكل إليه". سكت عنه الحاكم والذهبي وحسّنه الألباني.
ثالثًا: حكم التمائم القرآنيّة:
_جاء في "تيسير الحميد" (ص167): "اختلفوا في جواز تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته: فقالت طائفة: يجوز ذلك، وهو قول عبدالله بن عمرو بن العاص وغيره، وهو ظاهر ما روي عن عائشة، وبه قال أبو جعفر الباقر وأحمد في رواية، وحملوا الحديث على التمائم الشركيّة، أمّا التي فيها القرآن وأسماء الله وصفاته؛ فكالرقية بذلك. قلت: وهو ظاهر اختيار ابن القيّم" اهـ.
_وقبله قال البغوي في "شرح السنّة" (12/158): "وقالت عائشة ليست التميمة ما يعلّق بعد نزول البلاء، ولكنّ التميمة ما علّق قبل نزول البلاء ليُدفع به مقادير الله. وقال عطاء: لا يعدّ من التمائم ما يُكتب من القرآن. وسئل سعيد بن المسيّب عن الصحف االصغار يُكتب فيه القرآن فيُعلّق على النساء والصبية، فقال: لا بأس بذلك إذا جعل في كير من ورق أو حديد أو يخرز عليه".
فنخلص من هذا إلى ما يأتي:
1) ليس في حديث النبيّ r ما يخصّص أحاديث النهي العامّة، وإلاّ؛ لكان هذا موضع ذكرها، فأحاديث النهي عن التمائم على عمومها في جميع أنواع التمائم بخلاف أحاديث الرقى.
2) وأمّا نسبة القول بجواز تعليق التمائم لعبد الله بن عمرو t؛ فغير مسلّمة؛ إذ الأصل في ذلك ما رواه هو رضي الله عنه، عن النبيّ r؛ أنّه قال: "إذا فزع أحدكم في النوم؛ فليقل: أعوذ بكلمات الله التامّات من غضبه وعقابه وشرّ عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون؛ فإنّها لن تضرّه". قال: وكان عبدالله بن عمرو يلقّنها من بلغ من ولده، ومن لم يبلغ منهم؛ كتبها في صكّ ثمّ علّقها في عنقه. فهذا حديث حسن لغيره؛ دون قوله "وكان عبدالله..." إلخ؛ فهذه  القطعة لا تصحّ.
3) وأمّا نسبة ذلك إلى أمّ المؤمنين عائشة t؛ فلا يفيده ظاهر كلامها الذي نقله البغوي، بل كلامها أقرب ما يكون إلى تعريف التميمة لا إلى حكمها.
4) وأمّا ما نُسب إلى الباقر وأحمد وعطاء وسعيد بن المسيّب وغيرهم من الأئمّة وأهل العلم من إجازة تعليق التمائم؛ فعلى فرض صحّته؛ فإنّه لا تقوم به حجّة، مع مخالفته لعموم النصوص الصحيحة، ومع مخالفة جماعة من أهل العلم لهم:
جاء في "تيسير الحميد" (ص167-168): "وقالت طائفة: لا يجوز ذلك. وبه قال ابن مسعود وابن عباس، وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر وابن عكيم t. وبه قال جماعة من التابعين منهم أصحاب ابن مسعود، وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه وجزم بها المتأخرون. واحتجّوا بحديث "إنّ الرقى والتمائم والتولة شرك" وما في معناه؛ فإنّ ظاهره العموم، لم يفرّق بين التي في القرآن وغيرها؛ بخلاف الرقى؛ فقد فرّق فيها. ويؤيّد ذلك أنّ الصحابة الذين رووا الحديث فهموا العموم، كما تقدّم عن ابن مسعود... وروى وكيع عن ابن عباس؛ قال: اتفل بالمعوّذتين ولا تعلّق" اهـ.
وجاء في "شرح السنّة" (12/158): "وقال حمّاد: كان إبراهيم يكره كلّ شيء يعلّق على صغير أو كبير، ويقول: هو من التمائم" اهـ.
وقال الألباني في "الكلم الطيب" (ص45): "وقد روى أبو عبيد في "فضائل القرآن" بسند صحيح عن إبراهيم _وهو النخعيّ التابعيّ الجليل_ قال: كانوا يكرهون (يعني: الصحابة) التمائم من القرآن وغيره. قال المغيرة _وهو ابن مقسم الضبّيّ الفقيه الثقة_: وسألت إبراهيم فقلت: أعلق في عضدي هذه الآية ﴿يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم﴾ من حمّى كانت بي؟ فكره ذلك. ثمّ روى أبو عبيد عن الحسن البصري؛ أنّه كان يكره أن يُغسل القرآن ويُسقاه المريض أو يُعلّق القرآن. وإسناده صحيح، لولا أنّ فيه عثمان بن وكيع، قال أبو حاتم: لا أعرفه" اهـ.
5) ولا تقاس التمائم هنا على الرقى لأسباب:
_جاء في "تيسير الحميد" (ص168): "وأمّا القياس على الرقية بذلك؛ فقد يقال بالفرق، فكيف يقاس التعليق الذي لا بدّ فيه من ورق أو جلود ونحوهما على ما لا يوجد ذلك فيه؟! فهذا إلى الرقى المركّبة من حقّ باطل أقرب" اهـ.
_ولو نظرنا إلى قصّة ابن مسعود مع زوجته؛ لوجدنا أنّه قطع التميمة وألقاها دون أن ينظر إلى ما فيها إن كان قرآنًا أو غيره، ولم يستبدله بتميمة قرآنية، بل علّمها رقية النبيّ r، ممّا يدفع مسألة القياس هذه، فلو كانت هذه كتلك؛ لكان الأحرى أن يستبدلها بتميمة قرآنيّة مشروعة.
_وهناك اختلاف ظاهر بين الرقى والتمائم، وهو أنّ تلاوة المعوّذات والرقى النبويّة: تعين على تعليق القلب بالله وطلب الشفاء منه، وهذا ما اشترطه أهل العلم لجواز الرقى، وهو أمر غير متحقّق في التمائم، التي تكرّس في الإنسان عكس هذا المعنى، وتجعله يتعلّق بها ويتفاءل بحملها ويتشاءم بنسيانها، وهذا فرع التوكّل عليها، وهو غير جائز في الرقى، فكيف به في التمائم؟!
6) ومن شؤم التمائم أنّها تغلق على الإنسان بابًا واسعًا من الخيرات، وهو الاهتداء بفعل النبيّ r في مسألة الرقى، فالغالب أنّ أهل التمائم يتركون الرقى اكتفاء بالتمائم، وهذا شأن البدع، فما يَشْرَعُ الإنسان ببدعة إلاّ حجب الله عنه مقابلها سنّة. وإلى ذلك أشار الألباني في "الكلم الطّيّب" (ص44-45) بعد أن اختار عدم جواز التمائم بقوله: "لعدم ثبوت ذلك عن النبيّ r، ولأنّ القول بجوازه يعطّل سنّة الترقية بالمعوّذات وغيرها" اهـ.
وممّا ينبغي أن يلحق بالتمائم القرآنية الحليّ التي يكتب عليها القرآن كآية الكرسي وسورة الإخلاص وتعلّق على الأطفال وغيرهم، فهذا نوع من التمائم القرآنيّة، وله حكمها، وأقلّ ما فيه أنّه مكروه شرعًا.

فهرسة موضوعيّة:   
1) معنى التميمة.   2) التميمة والقلادة والعُوذة والحجاب واحد.   3) أمر النبيّ r بقطع القلائد.    4) براءة النبيّ r ممّن تعلّق القلائد.   5) تعليق التمائم شرك.   6) عدم مبايعة النبيّ r  لمن تعلّق تميمة.   7) حديث "من تعلّق شيئًا وكل إليه" حديث صحيح.   8) قياس التمائم القرآنيّة بالرقى القرآنيّة قياس مع الفارق.   9) لم يرد حديث صحيح في جواز التمائم القرآنيّة.   10) لا يصحّ عن ابن عمرو t إباحة تعليق التمائم.   11) كلام عائشة t لا يدلّ على جواز تعليق التمائم عندها.   12) من أجاز التمائم القرآنيّة من أهل العلم معارضون بكثيرين لم يجيزونها.   13) شؤم التمائم القرآنيّة.  


No comments:

Post a Comment