تأثير الرقى في ميزان الطبّ الحديث
نعم؛
أفلح الطبّ المعاصر في الكشف عن فسيولوجيّة (سرّ وآليّة) تأثير كثير من الأدوية
المادّيّة، لكنْ مايزال جزء لا بأس به من الأدوية المادّيّة ذا فسيولوجيّة دوائيّة
مجهولة، مع التسليم بفاعليّة هذه الأدوية واعتمادها.
ولا ريب أنّ الكشف عن وجه تأثير الرقى
الإلهيّة أمر غاية في الصعوبة نظرًا لأنّه واقع في كثير من الأحيان وراء المدركات
الحسّيّة، ونظرًا لعدم توفّر المخابر العلميّة المتحضّرة التي تُعنى بالدراسات في
هذا الجانب في عالم المسلمين، لكنْ مع ذلك لا نترك هذا الموضوع دون الإلمام ببعض
جوانبه، على قاعدة أنّ ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه. فأقول:
1) لا ريب أنّ جزءًا كبيرًا من أثر
الرقى الإلهيّة يرجع إلى فعلها في نفسيّة المريض وأثرها على معنويّاته العامّة
ووصلها إيّاه بأسباب الصحّة وبثّها فيه معاني الأمل والرجاء، وهذا أمر غاية في
الأهمّيّة لتحقيق العلاج الناجح ما أظنّ أنّه يختلف فيه اثنان.
وقد
أشار ابن القيم في "زاد المعاد" (4/116) إلى ذلك بقوله: وهاهنا
"نوع شريف جدًّا من أشرف أنواع العلاج، وهو الإرشاد إلى ما يطيّب نفس العليل
من الكلام الذي تقوى به الطبيعة وتنتعش به القوّة... وتفريح نفس المريض وتطييب
قلبه وإدخال ما يسرّه عليه له تأثير عجيب في شفاء علّته وخفّتها؛ فإنّ الأرواح
تقوى بذلك، فتساعد الطبيعة على دفع المؤذي".
ومع
ذلك؛ فلا نستطيع قصر تأثير الرقى الإلهيّة على دعم نفسيّة المريض ورفع معنويّاته؛
لأمرين: أوّلهما:
أنّ الرقى مشروعة في الرضّع والأطفال والمجانين والنائمين ممّن لا تلحظ فيهم النواحي
النفسيّة. والثاني:
أنّ ذلك يجعل الرقى الإلهيّة كالرقى الشركيّة وغير المشروعة، فكثير من أهل الضلالة
تقوى نفوسهم ويهشّون ويبشّون للرقى الشركيّة أضعاف ما يعتنون بالرقى الإلهيّة.
2) والمتأمّل في نصوص الرقى المشروعة
سيجدها مجموعة من الأدعية فيها "توسّل إلى الله تعالى بكمال ربوبيّته وكمال
رحمته بالشفاء وأنّه وحده الشافي... فتضمّنت التوسّل إليه بتوحيده وإحسانه
وربوبيّته" كما ذكر ابن القيم في "الزاد" (4/881). وهذا يدخلها في
باب الدعاء، الذي يردّ الأقدار وينفع ممّا نزل وممّا لم ينزل كما صحّ في جملة من
الأحاديث.
ومع
ذلك؛ فلا نستطيع جعل تأثير الرقى الإلهيّة مطابقًا لتأثير الأدعية؛ لأنّها إن كانت
كذلك؛ فليس لاختصاص الرقى النبويّة ذات الألفاظ المحدّدة وجه ولا ميّزة عن غيرها
من الأدعية، وكان في عموم الدعاء ما يغني عن خصوص الرقى.
3) من الثابت أنّ لبعض الكلام خواصّ
وميّزات يستجلب بها النفع ويستدفع فيها الضرّ، وأنّ في بعض الألفاظ سرًّا ليس في
غيرها من الألفاظ المرادفة لها.
_فمن
ذلك مثلاً أنّ النبيّ r نبّه
البراء بن عازب عندما قال: ورسولك الذي أرسلت، فقال له: "لا، ونبيّك الذي أرسلت"!
رواه: البخاري (247)، ومسلم (2710).
_ومن
ذلك أنّ الأطبّاء النفسيّين يتوسّلون بعبارات محدّدة وتأكيدات خاصّة تترك أثرها
وتفعل فعلها العجيب في المريض فيما يعرف بالتنويم المغناطيسيّ.
فإذا
كان النبيّ r أصرّ
على لفظة (نبيّك) رغم أنّها مرادفة للفظة (رسولك) والمراد بهما واحد، وكان
الأطبّاء النفسانيّون المعاصرون يصرّون على عبارات محدّدة دون غيرها لتحقيق الأثر
الأكمل؛ فعلينا أن نسلّم بخواصّ الألفاظ والعبارات وأسرارها. ويمكننا أن نتساءل
بعدئذ: ألا يمكن أن تكون هذه الخواصّ والأسرار هي سرّ فاعليّة الرقى الإلهيّة؟!
اللهمّ بلى.
4) روى: البخاري (7378)، ومسلم (2804)؛
عن النبيّ r؛ أنّه قال في الطاعون: "وخز أعدائكم من الجنّ".
وتقرّر لدى العامّة والخاصّة أنّ السحرة توسّلوا قديمًا وحديثًا بألفاظ محدّدة
وعزائم مخصوصة ينفثونها لاستجلاب الجنّ لتحقيق أغراضهم. فإذا أمكن استحضار الجنّ
بألفاظ وعزائم محدّدة، وأمكن توسّطهم في إمراض البشر وسحرهم؛ أفلا يمكن أن تكون
الرقى الإلهيّة عزائم يُتَوَسَّط بها لاستحضار الملائكة التي تعمل على إعادة
السكينة والطمأنينة إلى مختلف أعضاء الجسد وتنشر فيه أسباب الصحّة وتطرد عنه الجنّ
والشياطين وتدفع آثارهم؟! اللهمّ بلى.
5) ويميل
الفيزيائيّون والفسيولوجيّون المعاصرون إلى توسيع نطاق نظريّة إنشتاين التي تنظر
للمادّة على أنّها حزمة من حزم الطاقة أو مظهر من مظاهرها، فيرون أنّ ما يحصل في
أجسادنا لا يعدو أن يكون موجات وذبذبات نستقبلها ونتفاعل معها ونرسلها، فالكلمة
والفكرة والحلم والصحّة والمرض... تصل جميعها إلى العقل على شكل موجات وذبذبات،
فيترجمها العقل رؤية أو سماعًا أو ذوقًا أو سرورًا أو حزنًا...
وليس
هذا محلّ التفصيل في هذه النظريّة التي تدعمها الفيزياء والفسيولوجيا المعاصرة إلى
حدّ كبير، وإنّما يهمّنا منها أنّ المرض المادّيّ لا يعدو أن يكون _حسب هذه
النظريّة_ ذبذبة وموجة غريبة تسيطر على أجسامنا وعقولنا، والكلمة والعبارة كذلك
ذبذبة وموجة ترد إلى أجسامنا وعقولنا. فهل يبعد أن تتفاعل موجة رقية ما مع موجة
مرض ما _كما تتفاعل المادّة مع المادّة_ فتبطلها وتعكس تأثيرها؟! اللهمّ لا.
6) ويرى
الفسيولوجيّون المعاصرون أنّ الكلمة والصورة والنكهة والرائحة واللمسة ترد إلى
الجسم على هيئة سيّال عصبيّ ينتقل عبر العصبونات الحسّيّة كما ينتقل التيّار
الكهربائيّ في الأسلاك، ثمّ يتحوّل في المشابك العصبيّة إلى موادّ كيماويّة تسمّى
نواقل عصبيّة تثير سيّالاً جديدًا في العصبون التالي... وهكذا حتّى يصل السيّال
النهائيّ إلى عصبونات القشرة الدماغيّة، فتحدث هناك تفاعلات كيماويّة، تُدْرَك من
خلالها الكلمة والصورة والنكهة والرائحة واللمسة... فكلّ كلمة تترجم بمادّة
كيماويّة خاصّة، وكلّ صورة تترجم بمادّة خاصّة... وهكذا. فهل يبعد بعدئذ أن تتفاعل
المادّة الكيماويّة لكلمة ما مع المادّة الكيماويّة التي يسبّبها مرض ما فتعدّلها
وتبطل تأثيرها؟! اللهمّ لا.
هذا
ما يخطر بالبال من الأوجه المحتملة لتأثير الرقية، ولعلّ بعضها أبلغ أثرًا من
غيره، وإن كان الأثر النهائيّ لفاعليّة الرقية _فيما أرى_ هو لهذه الأوجه مجتمعة
لا لواحد منها. والله أعلى وأعلم.
فإن
كان في هذا ما يشفي غليل المتطلّعين إلى سرّ الرقى الإلهيّة ووجه تأثيرها؛ فبها
ونعمت، وإلاّ؛ فليجعلوا الرقى الإلهيّة بمثابة كثير من الأدوية المعاصرة التي
نسلّم بفاعليّتها ولا نعرف وجه تأثيرها، فالجهل بحقيقة الشيء لا يقدح في الإيمان
به والتصديق بأثره، وعدم إدراك الأمر لا يقتضي إنكاره.
ولعلّ
الأيّام المقبلة والاكتشافات المتسارعة تأتي في هذا الباب بما يشفي صدور قوم
مؤمنين.
فهرسة موضوعيّة:
1) دراسة طبيّة حديثة في أوجه تأثير
الرقى. 2) الطبّ الحديث لم يصل إلى أسرار تأثير
جميع الأدوية. 3) تعمل الرقى
الإلهيّة على دعم نفسيّة المريض ورفع معنويّاته. 4) الرقى الإلهيّة دعاء يتضمّن التوسّل إلى
الله بربويّته وإلهيّته وكمال وحدانيّته.
5) لبعض الكلمات خاصّيّة في دفع الضرّ واستجلاب الخير. 6) تستجلب الرقى الإلهيّة الأرواح
الملائكيّة لدفع الأرواح الشيطانيّة.
7) للرقية الإلهيّة موجة وطاقة تعدّل موجة المرض وطاقته. 8) تحوّل الرقى الإلهيّة في الجسد إلى
موادّ كيماويّة تعدّل موادّ المرض. 9)
تسليم المؤمنين بفاعليّة الرقى الإلهيّة وإن لم يعرف وجه تأثيرها على التأكيد.
No comments:
Post a Comment