Wednesday, November 12, 2014

كنوز الأشعّة الذهبيّة



         كلّمـــــــــــا حاولت أن أتخيّل وجه أمّي تذكّرتها يوم نزلت تجرّ رجليها جرًّا إلى باحة الدار، كنت يومها أشدّ بيدي غصنًا من أغصان شجرة الياسمين فانفلت فجأة بغير قصد فأصاب وجهها الشاحب النحيل، فصاحت تنهرني بكلمة "وجع".
بلى، كنت أحمل أحيانًا كأس حليب ساخن، وأنتظرها وهي تشربه على مهل في سريرها في الطابق الأعلى من البيت.
وفي يوم وفاتها رحمها الله خرجت إلى الـحارة، أتصنّع الجدّيّة، قلت لرفاقي من أولاد الـحارة: لقد ماتت أمّي! ماتت أمّي! سرّني يومئذ أنّني كنت مـحطّ إشفاق جميع الأولاد للحظات قصيرة، قطعها أحدهم بقوله: تريد أن تلعب معنا أم ماذا؟ فتردّدت قليلاً بين ترك الجدّيّة وبين ترك اللعب في هذه المناسبة الحزينة، ثمّ غلبني حبّ اللعب، فبقيت ألعب مع الأولاد إلى المساء، يقطع عليّ لعبي بين الفينة والأخرى أحد الأقرباء يناديني ويمسح على رأسي وهو يقول لمن جاء معه من المعزّين: هذا ابنها!
أجلسني أبي مساء ذلك اليوم في حجره، كانت خالتي تبكي بحرقة، ورأيت الدموع تنحدر من عينيّ أبي وهو يحدّثها، فطفقتُ أمسح الدموع عن عينيه وأنا أقول: لـماذا تبكون؟ أما قلتم إنّ الله أخذها لعنده إلى الـجنّة؟ ألا تكون سعيدة إذا ذهبت إلى الجنّة؟ فهزّ أبي رأسه مؤمّنًا على قولي مسلّمًا له، ثمّ ضمّني إلى صدره بقوّة حتّى وجدت الدفء وغططت في سبات عميق لم أستيقظ منه إلاّ في اليوم التالي.


         لـــــم يتزوّج أبي بعد وفاة أمّي رحمها الله مع أنّه كان يومها شابًّا قويًّا في الثامنة والثلاثين من عمره، وإنّما قصر حياته على عمله في المنشرة وعلى العناية بتربيتي.

كان بعد وفاتها يحملني كلّ صباح معه إلى المنشرة، وفي أيّام البرد كان يلفّني بمعطف كبير يقيني المطر والصقيع حتّى يصل إلى المنشرة، فيضعني هناك على مقعد جلدي مريح خصّصه لي بجانب المدفأة، ثمّ يلقي فيها بعض القطع الـخشبيّة، ويبلّل تلك القطع بالكيروسين، ثمّ يتركني أرمي عود الثقاب عليها، وأجلس مستمتعًا بدفء النار ومنظرها وهي تنتشر برفق ثمّ تستعر في قطع الخشب فيعلو أزيزها، ثمّ يجهّز إبريق الشاي ويسخّن الخبز والجبن على المدفأة حتّى تفوح روائحها الزكيّة، ثمّ يجلس بجانبي نأكل معًا شطائر الجبن الساخن مع الشاي، ما زلت أذكر طعم ذلك الخبز والجبن إلى يومي هذا، إنّه أطيب خبز وجبن ذقته طوال حياتي.


لـــــم أكن ولدًا مدلّلاً مقارنة بما يحظى به الأولاد اليوم. نعم؛ كان أبي شديد العناية بي عظيم الحنان عليّ، لكنْ كان عليّ أن أرتّب سريري وأنظّف الغرفة التي أنام فيها مع أبي يوميًّا، كنت أغسل الكؤوس والإبريق وأصنع الشاي وأقدّمه للضيوف وأنا في السابعة من عمري، وكنت أكنس النشارة وأجمعها مع قطع الخشب الصغيرة في أكياس كبيرة، وأشتري الخبز والخضار والبقالة عندما يكون أبي مشغولاً، وأكنس ساحة الدار وأسقي الأشجار ونباتات الزينة كلّ أسبوع...
كان أبي يبغض العجز والكسل، ولا يحبّ أن يرسلني في مهمّة ثمّ أرجع دون أن أتمّها، كان أكره الكلام إليه كلمة "لا أستطيع"، كان يسألني: أتعرف أبا فلان؟ فأهزّ رأسي كأنّني أعرفه، فيدرك ذلك فيقول: هو مقابل أبي مـحمّد البقّال... هو بعد بائع الخضار بدكّانين... فأقول: عرفته. فيقول: اذهب إليه وقل له كذا، أو أحضر من عنده كذا... وغالبًا ما كنتُ أسأل المارّة وأصحاب الدكاكين حتّى أهتدي إلى الرجل، ولا أذكر أنّني رجعت مرّة إلى أبي خائبًا دون أن أقضي حاجته.
ومع ذلك؛ فقد بقيت لي أوقات طويلة، كنت أنفقها بلصق قطع الخشب الصغيرة بالغراء تارة ودقّها بالمسامير تارة، أصنع بها أشكالاً كثيرة، كنت أستمتع كثيرًا بدقّ المسامير، وكان أبي لا يفتأ يصرخ بي من بعيد: انتبه إلى أصابعك يا هُمام! فإذا آذيت إصبعي أسرع فطهّرها بالكحول وبلّلها بدواء أحمر اللون وضمّدها، ثمّ قال: اذهب فعدّ الألواح الخشبيّة المسندة هناك. فأذهب فأعدّها وأخبره، فيقول: لقد أخطأت. فأعود مرّة ثانية وثالثة حتّى أنسى ألمي.
كان يأذن لي أحيانًا باللعب مع أولاد الحارة، فكنّا نذهب إلى الساقية القريبة نلعب عندها ونبرّد أقدامنا بمائها ونجمع بعض أفراخ الأسماك الصغيرة.
وفي أيّام الحصاد كنّا نخرج إلى البساتين الممتدّة حول البلدة، ننصب الفخاخ للزرازير والسمّانيات، كم كنت أفرح إذا علق أحدها في شباكي، مع أنّني ما ذقت طعمها في حياتي كلّها مرّة واحدة، كنت أعود بها حيّة إلى أبي، فيتناولها بيديه وينظر إليها بإشفاق، ثمّ يقول لي: تبيعني إيّاها؟ فأقول: خذها، لا أريد ثمنها. فيناولني بعض النقود ويقول: اشتر ما تحبّه من عند أبي محمّد، ثمّ يرفع الطير عاليًا في الهواء وهو يقول: اذهب إلى صغارك يا خلقة ربّي. فأقول له: لحمه لذيذ جدًّا. فيقول: تعب كثير ونفع قليل، ديك واحد أفضل من عشرة عصافير.


أيقظني أبي مبكّرًا في أحد الأيّام، ثمّ أمرني أن أستحمّ، وبالغ في الوصيّة بتنظيف رأسي وجسدي، ثمّ قدّم لي ثيابًا جديدة غير التي كنت ألبسها كلّ يوم، ثمّ حمّلني حقيبة فارغة وسلّة وضع فيها شطيرة من الجبن وبرتقالة، وقال لي: لقد صرت الآن شابًّا كبيرًا، وسوف تذهب إلى المدرسة، حتّى تصير طبيبًا مشهورًا يداوي أهل البلد جميعًا. ثمّ سار بي في طريق طويلة إلى المدرسة الابتدائيّة الوحيدة في بلدتي، وظلّ طوال الطريق يحدّثني عمّا سأراه في المدرسة من الأشياء الرائعة.
كانت باحة المدرسة تغصّ بأطفال كثر يتصايحون ويتراكضون هنا وهناك، فانقبض قلبي وتسارعت أنفاسي وشددت يدي على يد أبي الذي دخل معي إلى باحة المدرسة، لكنّ حارس الباب همس في أذنه بكلام لم أسمعه ولم أفهم مراده منه وقتئذ، ثمّ أشار إلى طفل وقف يبكي قريبًا من الباب، وقال لي: اذهب إليه وسَلْهُ لماذا يبكي. لكنّ شعورًا داخليًّا خفيًّا بالخطر جعلني أزداد تمسّكًا بيد أبي، الذي دفعني برفق نحو ذلك الولد، فاقتربت منه متردّدًا أسأله، والتفتّ نحو أبي فإذا به قد اختفى!! أسرعت نحو الباب أريد اللحاق به، لكنّ الحارس منعني من الخروج، وقال بصوت أجشّ: سيعود أبوك بعد قليل، لا تخف! وقفت طويلاً أنتظر عودة أبي عند الباب، ولمّا سنحت الفرصة وانشغل الحارس بالحديث مع أحد الزوّار؛ أسرعت أعدو هاربًا خارج المدرسة، فانطلق الحارس يجري خلفي بخفّة، حتّى تمكّن من القبض عليّ، فجرّني بقسوة إلى المدرسة، ثمّ دفعني إلى الداخل دفعة كدتُ أخرّ معها على الأرض على وجهي، فوقفت حزينًا إلى جانب الولد الباكي، ثمّ انخرطت معه في بكاء مرير، وبقيت أنظر خلسة إلى الباب لعلّي أحظى بفرصة أخرى للنجاة من ذلك السجن البغيض، لكن بغير جدوى.
مضت فترة طويلة ونحن على هذه الحال، ثمّ نادوا علينا بالأسماء واحدًا واحدًا، فأدخلونا إلى قاعة الصفّ، فجلست إلى جانب صاحبي الباكي، ودخل المعلّم، وراح يكتب على السبّورة أحرفًا وأرقامًا ويسألنا عنها، كان يكافئ من يعرفها من التلاميذ بـحبّة من السكّر، لكنّني لم أنل شيئًا من حبّات السكّر، ولا عرفت شيئًا ممّا كتبه المعلّم على السبّورة. نعم؛ نلت حصّتي من تلك الحبّات لمّا انتهى الدرس ووزّع المعلّم ما بقي في الكيس على التلاميذ المؤدّبين.
رنّ الجرس، وتراكض التلاميذ إلى الساحة، وخرجت معهم، كانت حرقتي قد بردت، لكنّ صاحبي ظلّ دامعًا حزينًا، فقسمت شطيرة الـجبن بيني وبينه، ثمّ ثقبت البرتقالة ورحت أمصّها مرّة وأتركها لصاحبي مرّة، كان متشائمًا جدًّا، ولم يفلح شيء ممّا فعلته معه في تخفيف حزنه، كان يظنّ أنّه سيبقى في المدرسة حتّى يحلّ الظلام، وأنّ المعلّمين يحبسون الأولاد في قبو المدرسة المظلم بعد أن يدهنوا آذانهم بالدبس حتّى تقضمها الفئران والجرذان!! وسقط قلبي بين قدميّ من شدّة الهلع! كان مجرّد التفكير في تلك الفكرة الشيطانيّة يصيبني بالذعر طوال أيّام دراستي في تلك المدرسة، لكنّني تجلّدت يومها وقلت لصاحبي: اصمت إذًا، لن أقف معك إذا بقيت تبكي، أخشى أن يحبسنا المعلّم معًا في قبو الفئران.
ومرّت الحصص بطيئة حصّة بعد الأخرى وبينهما فترة راحة في باحة المدرسة، ووزّع المعلّم علينا كتبًا كثيرة أمرنا بتغليفها والمحافظة عليها وحذّرنا من العبث بها، فوضعتها في حقيبتي دون أن أنظر إليها، وظللت طوال النهار مكتئبًا، أرى الأولاد يتراكضون ويتضاحكون في باحة المدرسة دون أن أقترب منهم، بل اعتصمت برفقة الولد الحزين الباكي... وعندما رنّ جرس الرواح من المدرسة سارعت للخروج من الصفّ وأنا أظنّ أنّها فترة راحة جديدة سنعود بعدها إلى الصفّ، لكنّني فوجئت بباب المدرسة مفتوحًا على مصراعيه، والتلاميذ يتدافعون للخروج!! فدخلت بينهم وقد أخذت الفرحة عقلي.
وجدت أبي ينتظرني عند باب المدرسة، فنظرت إليه عاتبًا، ففتح يديه لعناق حنون قرأتُ فيه مشاعر الحبّ والاعتذار والإحساس بالذنب، واستجبتُ لعناقه ببكاء مرير، فقال لي: هل آذاك أحد؟ قلت: لا. قال: أين الحقيبة؟ قلت: نسيتها في الصفّ. قال: أسرع وأحضرها. فقلت: انتظرني هنا! لا تذهب! فتبسّم ودخل معي حتّى أحضرت الحقيبة، ثمّ أخرج من جيبه صرّة مليئة بحبّات السكّر الملوّنة التي أعشقها، وقال: هُمام! أنا مسرور منك لأنّك لم تبكِ وكنت مؤدّبًا في المدرسة. نظرت إليها، ثمّ التفتّ وأنا أقول: لا أريد! ربّما أردت أن أقول له يومها: لقد خذلتَني وتركتَني! ذنبكَ أعظم من أن تغفره حبّات السكّر! لست رخيصًا إلى هذه الدرجة! فما كان منه إلاّ أن لفّ الصرّة ووضعها في جيبي وحملني على كتفيه، وراح يدندن أغنية مدرسيّة عذبة الإيقاع كان عمّي يغنّيها!
ولمّا وصلنا إلى المنشرة وضعني أبي على الكرسيّ الذي اعتدت أن أجلس عليه، وانشغل عنّي بحديث طويل مع أحد الزبائن، فغلبني حبّ الحلوى، فأخرجت الصرّة من جيبي، ورحت أقضم حبّات السكّر وأقضم معها جميع قواعد الأنفة والكبرياء! وصاح أبي متبسّمًا: هُمام! أما تركت لي شيئًا؟ قلت خجلاً: نسيت! قال: حسنًا، لا بدّ أنّك جائع، قم معي إلى البيت.
وفي طريقنا إلى البيت مرّ أبي على المكتبة فاشترى أقلامًا ودفاتر، ثمّ كلّف صاحب المكتبة أن يكتب اسمي عليها بخطّ جميل ويجلّدها كما طلب المعلّم...
قلت لأبي: أليس خطّك جميلاً يا أبي؟
قال أبي: سيكون خطّك أجمل من خطّي! أنا واثق!


كانت أيّام الصفّ الأوّل قاسية جدًّا، كنت أشعر أنّ المدرسة سجن، ولا سيّما أنّ أكثر أصدقائي الذين عرفتهم سابقًا لم يدخلوا المدرسة، كانت رؤيتهم يمرحون ويلعبون عند رجوعي من المدرسة تملأ قلبي غيظًا، ولست أدري لماذا أصبحت فجأة غريبًا عنهم، كانوا يتمتّعون بقهري بأخبار مغامراتهم وألعابهم وصيدهم، وكنت أذكر ذلك لأبي بعينين دامعتين وصوت متهدّج، فيربت على رأسي قليلاً ثمّ يقول: سيكون صيدك أعظم من صيدهم وأوفر، ستكتشف ذلك قريبًا!
كنت أصدّق كلام أبي دائمًا لأنّه ما كذب عليّ قطّ، لكنّني لم أفهم قصده آنئذ، تخيّلت أنّني سأصيد غزالاً أو سربًا ضخمًا من العصافير!
وظلّت المدرسة واجبًا ثقيلاً، ولا سيّما في أيّام البرد القارس والمطر، كان أبي يـجرّني من الفراش جرًّا، وكنت لا أصل إلى المدرسة إلاّ في اللحظة الأخيرة، ولولا خشية العقاب الأليم لما وصلت أبدًا، وأغرب ما في الأمر أنّني كنت أستيقظ أيّام الإجازة مع شروق الشمس مفعمًا بالنشاط والمرح!
ومضى العام الدراسيّ الأوّل، وحملت لأبي شهادة نجاح متواضعة جدًّا جعلته يجلس متجهّمًا وهو ينظر إليّ نظرات ملؤها العتاب، وظللت يومها أدخل وأخرج خجلاً أتفادى أن تقع عيني في عينه! كان متألّمًا خائب الرجاء!
وبقيت نظراته عاتبة أيّامًا عدّة...


أيقظني أبي باكرًا ذات صباح، وأمرني أن أستحمّ، وبالغ في التأكيد على نظافتي وتسريحة شعري وأناقة ثيابي وتعطير رأسي وعنقي وجسدي، ثمّ قال: سنزور عمّك اليوم في العاصمة، أريد أن يراك عمّك وامرأة عمّك في غاية اللطف والنظافة والأدب، إذا سمعت كلامي؛ سأشتري لك هديّة جميلة.
لم أكن زرت العاصمة قبل ذلك الوقت، ولذلك أذهلني منظر الكثرة الكاثرة من الناس والسيارات الجميلة التي تسير مسرعة في الشوراع الواسعة النظيفة، وكان مدخل العمارة التي يسكنها عمّي أنيقًا نظيفًا، وباب بيته كبيرًا لمّاعًا، واستقبلنا عمّي على الباب فحملني وقبّلني بحرارة ثمّ نادى ابنته: سلمى! سنترك هذا الشابّ الحلو هنا في ضيافتك، عينك عليه! ثمّ انطلق مع أبي مباشرة لقضاء عمل مهمّ.
كانت غرفة الجلوس في بيت عمّي نظيفة مرتّبة ذات جدران لمّاعة وستائر أنيقة، فجلست على أحد المقاعد صامتًا أقلّب نظري هنا وهناك... رحّبت بي زوجة عمّي مرارًا، وسألتني إن كنت جائعًا، فأخبرتها بأنّني أفطرت مع والدي، فقدّمت لي كأسًا من الكاكاو مع بضعة قطع من البسكويت، وانصرفت إلى أعمالها في الدار، وتركتني مع ابنة عمّي سلمى التي كانت تكبرني بسنتين.
جلست ابنة عمّي طويلاً تتأمّلني حتّى شعرتُ بالضيق من نظراتها، ثمّ قالت: ألا تريد أن تقول شيئًا؟ هل أكل القطّ لسانك؟ ثمّ سحبتني من يدي إلى غرفتها. كان لها غرفة خاصّة فيها سرير كبير وخزانة جميلة ومكتب عليه مصباح ملوّن ومكتبة فيها كتب وقصص كثيرة ملوّنة، وجلسنا نقلّب أحد الكتب وننظر إلى صور الحيوانات المفترسة فيه، كانت تقرأ بسرعة وطلاقة وأنا ساكت، فالتفتت إليّ فجأة وقالت: ألا تعرف القراءة؟! قلتُ: بلى، لكنْ من كتاب الصفّ الأوّل. فضحكتْ وقالت متباهية: كنت في الصفّ الأوّل أحسن البنات قراءة، كلّفتني المعلّمة بقراءة كلمة بمناسبة عيد الأمّ... ثمّ فتحت علبة ألوان كبيرة وهي تقول: أهداني إيّاها أبي لأنّني كنت الأولى على الصفّ! وجلسنا نرسم ونلوّن، لكنّ رسومي كانت أجمل كثيرًا من رسومها، وألواني أدقّ من ألوانها... ثمّ خرجنا إلى الشرفة وجلسنا ننتظر أن يصل أبي وعمّي في أيّ لحظة.
ورنّ الجرس، فقلت لابنة عمّي: لقد وصلوا! فضحكت وقالت: إنّه جرس الهاتف، أليس عندكم هاتف؟ ثمّ أسرعت فتناولت السمّاعة، فتحدّثت قليلاً، ثمّ نادت أمّها.
كنت قد رأيت الهاتف قبل ذلك، ولكنّني لم ألمسه ولم أتكلّم فيه، ولم يكن في بيتنا هاتف، ولذلك وقفت أرقب زوجة عمّي وهي تتحدّث في الهاتف مع أختها، ثمّ تحدّثت ابنة عمّي مع ابنة خالتها، كانتا تتحدّثان عنّي، سمعتها تقول: اسمه هُمام!
 قالت لي: ألم تتحدّث في الهاتف قبل اليوم؟ فقلت خجلاً: لا. فتناولت السماعة، ثمّ أدارت القرص، ثمّ قالت: اسمع. فسمعت صوت فتاة تقول: الساعة الآن الثانية عشرة وثلاث وعشرون دقيقة وأربع وأربعون ثانية وضحكت مع ابنة عمّي كثيرًا ونحن نسمع صوت الفتاة الغريب وهو يردّد الساعة مرّة تلو الأخرى مع زيادة في عدد الثواني.
كان الشيء الذي أذهلني حقًّا في بيت عمّي وأخذ بمجامع قلبي هو سماع صوتي يخرج من آلة التسجيل، لقد سجّلت ابنة عمّي صوتي وضحكي في غفلة منّي، ثمّ ضغطت على أحد الأزرار وقالت: اسمع. كان هناك بكرتان تدوران أمام عينيّ، ثمّ سمعت صوتي يخرج من تلك الآلة العجيبة! قالت: هذه آلة تسجيل، إنّها تسجّل كلّ شيء، حتّى الأصوات المنخفضة. قلت: وإذا ذهبت إلى البيت هل يبقى صوتي في الآلة؟ قالت: طبعًا، ويمكنني أن أسمعه كلّما أردت.
كان كلّ ما رأيته في بيت عمّي جديدًا وجميلاً ومبهرًا العصفور الذي كان ينادي كوك كوك عندما يخرج من ساعة الحائط، الحمام الزهري اللمّاع، الصابونة ذات الرائحة العطرة، حوض السمك الملوّن، الشرفة العالية التي تطلّ على الشوارع والسيّارات والناس... كان هناك نكهة خاصّة لكلّ شيء، اللهمّ إلاّ شطائر الجبن الباردة التي صنعتها زوجة عمّي لنا عندما تأخّر الغداء، كانت شطيرة أبي ألذّ، كانت ساخنة دائمًا، وكان للجبن فيها مذاقٌ أخّاذ.
حاول عمّي جاهدًا أن يقنع أبي بالبقاء عنده تلك الليلة، ونظرت إلى أبي مستغيثًا راجيًا، لكنّه أصرّ على العودة، ولم تُجْدِ محاولات ابنة عمّي المستميتة لإبقائي في زيارتهم أسبوعًا كاملاً قبل افتتاح المدارس، وقطعت زوجة عمّي خيط أمل رفيع تسرّب لقلبي وأنا أنظر إلى حيرة أبي وتردّده بقولها: سلمى! يكفي، اتركي عمّك على راحته، لعلّه يحتاج إليه في المنشرة. قالت سلمى: إذن سأحتفظ باللوحة التي رسمها هُمام حتّى أتذكّره كلّ يوم! ورأى الجميع البطّة التي رسمتها، وأبدوا إعجابهم بها!!


خرجت من دار عمّي حزينًا أغالب عينيّ حتّى لا تدمعان، ولولا الإطراء الذي سمعته من الجميع على بطّتي الملوّنة لانفجرت باكيًا، لكنّني اعتصمت بالصمت حتّى تماسكتُ ورجعتُ إلى نفسي عندما ركبنا الحافلة في الطريق إلى البلدة، وشعر أبي بما يجول في نفسي فبادلني صمتًا بصمت...
قلت أخيرًا: عمّي يربح كثيرًا في عمله أليس كذلك؟
_أظنّ أنّه يربح ربحًا طيّبًا، ما أدري.
_هل نحن فقراء يا أبي؟
_طبعًا لا، نحن أغنياء يا هُمام! عندنا بيت كبير ومنشرة والبستان الذي يعمل فيه خالك، نحن نأكل اللحم والدجاج والفواكه ونشتري الحلوى والثياب الجديدة ولا ينقصنا شيء، نعم الله علينا كثيرة.
_لماذا لا تشتري لي أسماكًا ملوّنة حتّى أطعمها كلّ يوم كما تفعل سلمى؟! إنّها جميلة جدًّا.
_إنّ أمّها...
وجمدت الكلمة على لسانه! وأحسستُ دونما ريب أنّه ابتلع الكلمات حتّى لا يذكّرني بغياب أمّي... ولمّا رأى في وجهي الانتظار؛ قال:
_إنّ أمّهات الأسماك الكبيرة لا تهتمّ بإطعام الصغيرة، ولذلك ستحتاج الأسماك الصغيرة لعناية كبيرة منك، لن تستطيع أن تعتني بها وحدك، وأنا مشغول، ستموت بسرعة، ألا تذكر كم بكيت حينما ماتت البطّة الصغيرة التي أحضرتها لك؟
سكتّ قليلاً ثمّ قلت: عندهم أشياء كثيرة جميلة، عندهم هاتف ومسجّلة، لماذا لا تشتري لنا ساعة مثل ساعة العصفور التي عندهم؟ لو كان عندي ساعة عصفور؛ لقمت باكرًا إلى المدرسة كلّ يوم.
تبسّم وقال: لا بأس، سأشتري لك ساعة عصفور إن كان هذا سيجعلك تستيقظ باكرًا للمدرسة.
قلت بفرح: سأستيقظ باكرًا، وأريد هاتفًا أيضًا.
قال أبي: الهاتف في بلدتنا صعب يحتاج لمعاملات طويلة، ولا حاجة له، البلدة صغيرة، وأغلب الناس لا يملكون هاتفًا!
قلتُ بحماس: لماذا لا نسكن إذًا في العاصمة؟
قال أبي: ونترك بيتنا وجيراننا وعملنا؟!
قلت: نبيعه ونشتري بيتًا في العاصمة قرب بيت عمّي.
قال أبي: بيوت العاصمة غالية جدًّا، ما عندنا لا يكفي ثمنًا لدار صغيرة هناك، أنا أحبّ داري وجيراني ولن أبتعد عنهم.
سكتّ طويلاً أفكّر في بيت عمّي الكبير وشرفته الجميلة وغرفه المليئة بالتحف الجميلة، ثمّ قلت بصوت مسموع: عمّي أغنى منّا بكثير إذًا.
شرد أبي للحظات وهو ينظر من نافذة الحافلة حتّى ظننت أنّه لم ينتبه لكلامي، ثمّ قال: سأحكي لك قصّة عمّك من أوّلها إلى آخرها.


كـــان أبي بارعًا جدًّا في سرد القصص، كان لكلّ شيء عنده قصّة، وغالبًا ما كنت أندسّ في فراشه في الصباح الباكر أيّام الإجازة لأسمع حكاية، ولم أكن أملّ أبدًا من سماع حكاية سمعتها منه قبل ذلك عشر مرّات، كنت أقول له: احك لي اليوم قصّة ستّ بدور قصّة الشاطر حسن قصّة حشيش وربيع مع أنّني سمعتها منه مرارًا حتّى حفظتها وصرت أذكّره بما نسيه من أحداثها.
قال أبي: في يوم من أيّام زمان دعا نبيّ الله سليمان عليه السلام ربّه وقال ﴿ربّ اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾، والله يا هُمام يحبّ أنبياءه وعباده الصالحين ويستجيب لدعواتهم، ولذلك استجاب دعاء نبيّه فغفر له وأعطاه ملكًا عظيمًا لم يعطه لأحد من قبله ولا لأحد من بعده... كان ملك سيّدنا سليمان عظيمًا جدًّا، كان يتحكّم بالريح، فيأمرها أن تذهب إلى مكان بعيد فتذهب، ويأمرها أن تسكن فتسكن، ويأمرها أن تحمله مع جنوده من بلد إلى أخرى فتحمله.
_مثل قصّة بساط الريح؟
_وأسرع من بساط الريح. وكانت جميع الحيوانات أيضًا تطيعه وتستجيب لأوامره وتقف أمامه بنظام واحترام. وكان الجنّ يخافون منه ويطيعونه، فيبنون له القصور والمساجد والسفن والقلاع، ويأتونه بكنوز الأرض المدفونة وكنوز البحار المكنونة، ومن عصى منهم أمره؛ حبسه في قمقم أو خاتم وألقاه في أعماق البحار.
ولمّا مات سيّدنا سليمان عليه السلام؛ تسارعت الجنّ إلى كنوزه العظيمة يخطفون منها ما استطاعوا ويخفونه في الكهوف والآبار وأعماق البحار، وطمع الأبطال والأقوياء والمغامرون بتلك الكنوز فأخذوا يبحثون عنها في كلّ مكان، كان المئات يخرجون بحثًا عنها فيموت أكثرهم غرقًا في عواصف البحار أو بردًا في ثلوج القمم العالية أو طعامًا لحيوانات الغابات المفترسة، وتضيع أعمارهم هباء في البحث عن تلك الكنوز...
ثمّ جاء نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلّم، فرأى ضعف أمّته وحبّها للمال وقصر أعمارها، فخشي أن يضيّعوا أعمارهم القصيرة في البحث عن تلك الكنوز بغير فائدة، فدعا الله تعالى أن يجعل لهم كنوزًا قريبة منهم يسهل الوصول إليها.
_واستجاب الله دعاء نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلّم؟
_طبعًا، قلت لك إنّ الله يحبّ أنبياءه وعباده الصالحين ويستجيب دعاءهم.
_وأين جعل الله هذه الكنوز؟
_أخفاها في الطرقات عن أعيننا، فإذا خرج الإنسان مبكّرًا وأشرقت عليه خيوط الشمس الذهبيّة الأولى؛ التمعت تلك الكنوز أمام عينيه، ومن اعتاد الخروج باكرًا كلّ يوم؛ فلا بدّ أن يجد واحدًا من تلك الكنوز، ومن لم يجده اليوم؛ فسيجده غدًا، ومن لم يجده غدًا؛ فسيجده بعد غد.
قلت: أهذه قصّة حقيقيّة أم حكاية كحكاية ستّ بدور؟
_أعوذ بالله، لا يجوز لنا أن نحكي قصصًا خياليّة عن أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام ونتسلّى بالكذب عليهم، الذي يكذب على أنبياء الله بكلمة واحدة هو من المؤذين لأنبياء الله تعالى، والذين يؤذون أنبياء الله تعالى هم شرّ الخلق وأبغضهم إلى الله وجزاؤهم جهنّم.
_ولو كانت الكذبة طيّبة.
_كلّ الكذب على أنبياء الله قبيح.
_هل وجد عمّي واحدًا من تلك الكنوز؟
_أظنّ أنّه وجد واحدًا من تلك الكنوز.
_وأنت، ألم تجد كنزًا من تلك الكنوز؟
_أنا واثق أنّني سأجد كنزي في يوم من الأيّام.
_لكنّك مازلت تستيقظ مبكّرًا كلّ صباح منذ أمد طويل، ألم تجد شيئًا حتّى الآن؟
_أظنّ أنّني أقترب كلّ يوم من الكنز الذي أبحث عنه.
كانت الحافلة قد وصلت بنا إلى البلدة، فنزلنا، وسرنا نحو البيت، وبقي أبي واجمًا صامتًا، ولم أنبس أنا بحرف واحد.


انتظرت بفارغ الصبر أيّام العودة إلى المدرسة، وعدت إليها في ذلك العام سعيدًا منشرحًا، كنت أوّل التلاميذ وصولاً إلى المدرسة في كلّ يوم، حتّى في أيّام الغيم والبرد، وكم وكم أشرقت عليّ أشعّة الشمس الأولى في الطريق، وكم وكم جلست أراجع دروسي وواجباتي على جذع شجرة مقطوعة أنتظر افتتاح أبواب المدرسة، وكم وكم سألت والدي عن سبب عدم رؤيتي للكنز، فيقول: ما أدري! لعلّ غيرك سبقك إليه. كنت واثقًا كلّ الثقة بأنّني سأجد أحد تلك الكنوز في يوم من الأيّام...
وشيئًا فشيئًا أصبحت المدرسة وغرفة الصفّ والكتب والتلاميذ أمرًا محبّبًا إلى قلبي، وأصبحت الدروس أسهل وأوضح، وصرت أنافس التلاميذ الأوائل وأتفوّق عليهم، ومع أنّ معلّم الصفّ الثاني كان أكثر شدّة وقسوة إلاّ أنّني أحببته أكثر وشعرتُ أنّني طالبٌ أثير عنده وأنّه أكثر تسامحًا معي.
لقد حفرت قصّة تلك الكنوز الخفيّة في مخيّلتي أخدودًا عميقًا وتركت في نفسي أبلغ الأثر... كم وكم نمت على خيال أنّي وجدت واحدًا من تلك الكنوز ورحت أنفقه بسخاء في شراء أشياء جميلة كالتي رأيتها في دار عمّي، ولا أظنّني أبدًا أبالغ إن قلت: إنّني أنهيت المرحلة الابتدائيّة كلّها وأنا أنام على ذلك الخيال...
وتذوّقت في تلك السنة طعم التفوّق... كان أبي مشرق الوجه سعيدًا عندما أتيته بالشهادة المدرسيّة... حملني على كتفيه وراح يغنّي ويرقص فرحًا بي... ثمّ أخذ الشهادة فعلّقها في غرفة النوم فوق سريره... اشترى لي يومئذ ساعة العصفور التي كنت أحلم بها... واشترى لي بذلة عسكريّة ذات أزرار ذهبيّة لمّاعة وبنود ملوّنة حمراء وصفراء كنت ألبسها وأتباهى بها أمام أصدقائي...


وأصبح التفوّق طبعًا لي وسجيّة... وانقضت أيّام الدراسة ثمّ أيّام الجامعة وأنا مثابر على تفوّقي لا أرضى إلاّ بالمراتب الأولى، وتخرّجت مهندسًا مدنيًّا، وعملت في أحد المكاتب الهندسيّة، ثمّ تزوّجت وافتتحت مكتبي الخاصّ في العاصمة، وبنيت بيتي الخاصّ فيها، وقسمت الطابق الأرضيّ إلى منشرة ومسكن خاصًّ بأبي، لكنّه ظلّ متردّدًا حتّى رأى الحديقة الواسعة المليئة بأشجار الزيتون والحمضيّات، فاستسلم لإلحاحي عليه بالعيش معي...
وهكذا عشت مع زوجتي وأولادي في الطابق الأوّل وعاش أبي في الطابق الأرضيّ يعمل في المنجرة حينًا وفي الحديقة أحيانًا... وظلّ أولادي يتسلّلون صباحًا في كلّ إجازة إلى سرير جدّهم ليسمعوا قصّة من قصصه الخياليّة الجميلة كما كنت أفعل تمامًا.

ونزلتُ في إحدى تلك الإجازات وقد استبطأت حضور أبي لفطور العائلة الجماعيّ، فسمعته يحكي لأصغر أولادي وأكثرهم حبًّا للنوم وبغضًا للمدرسة وتحايلاً للتهرّب منها قصّة كنوز سيّدنا سليمان وسيّدنا محمّد عليهما الصلاة والسلام، فجلست منصتًا على طرف السرير أستمتع بطريقته الجذّابة في إلقاء الحكاية حتّى انتهت.
قال ابني الصغير وهو يقلّب النظر بيني وبين جدّه بشكّ: هل هذه قصّة حقيقيّة؟
قال أبي: سَلْ أباك، أهي حقيقيّة أم خياليّة؟
نظر ابني إليّ بفضول، فقلت له: أعوذ بالله، لا يجوز لنا أن نحكي قصصًا خياليّة عن أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام ونتسلّى بالكذب عليهم، الذي يكذب على أنبياء الله بكلمة واحدة هو من المؤذين لأنبياء الله تعالى، والذين يؤذون أنبياء الله تعالى هم شرّ الخلق وأبغضهم إلى الله وجزاؤهم جهنّم. أقول لك: أنا نفسي قد وجدت واحدًا من تلك الكنوز.
قال بلهفة: وأين وجدته؟
_في الطريق إلى مدرستي في بلدتنا، لم يره أحد من التلاميذ غيري.
_أخذته إلى البيت؟
_كان ثقيلاً جدًّا فلم أستطع أن أحمله كلّه، ولذلك صرت آخذ قطعة ذهبيّة واحدة منه كلّ يوم.
_أما خشيت أن يسرقه منك أحد؟
_كنت أخرج مبكّرًا كلّ صباح، أسبق جميع الأولاد، فلا يراه أحد غيري، فآخذ منه قطعة واحدة فقط، أخفيها في حقيبة المدرسة، ثمّ أتابع طريقي دون أن أخبر أحدًا، وأظلّ هادئًا محافظًا على حقيبتي وكتبي ودفاتري حتّى لا يكتشف أحد سرّي ويسرق قطعي الذهبيّة.
_وجمّعتَ هكذا... وفتح يديه الصغيرتين بأقصى ما يستطيع.
_أكثر، هكذا... وفتحت يديّ أنا بأقصى ما أستطيع.
_أهو لديك الآن؟
_اشتريت هذه الأرض الواسعة وبنيت بيتنا الكبير واشتريت السيّارة والمكتب...
_إنّه كنز ضخم.
_أكيد.
_إذا عثرت أنا على هذا الكنز فسأشتري طيّارة كالتي يقودها خالي.
_لن تعثر عليه إلاّ إذا صحوت باكرًا وذهبت إلى المدرسة دون أن تبكي طوال الطريق.
قال وهو ينطلق مسرعًا مستجيبًا لنداء أمّه في الأعلى: سأصحو باكرًا كلّ يوم، سوف ترى.


أهاجت الدمعة التي رافقت ابتسامة أبي مشاعري فاستجابت عيناي بدمعتين كبيرتين...
قال أبي وهو ينظر إلى عينيّ الدامعتين: لقد وعيت الدرس جيّدًا، كنت أظنّه كلامًا محاه الزمن.
قلت وأنا أشير إلى قلبي: لا والله، إنّه محفور في أعماق الأعماق...
وتابعتُ وأنا أنظر إلى شهادتي الجامعيّة المعلّقة فوق سرير أبي: صدقتَ، لقد كان صيدي أعظم وأوفر.
_كنتَ تلميذًا متفوّقًا.
_وكنتَ أستاذًا عظيمًا، ومازلت... وفي كلّ يوم أكتشف معاني جديدة في حكاياك الفريدة... وفي كلّ يوم أقول: ما أصدق حديث أبي!!
سكتّ قليلاً ثمّ استدركتُ قائلاً: لكن هناك أمر واحد لم أفطن له بعد! الكنوز القريبة التي دعا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ربّه أن يرسلها لأمّته.
_إنّها البركة! البركة يا هُمام! لقد دعا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ربّه فقال: "اللهمّ بارك لأمّتي في بكورها"! ألا ترى أنّ ما أنت فيه من النعيم كنز من كنوز البكور؟! ألا ترى إلى الكنز الذي منّ الله به عليّ جزاء بكوري ومثابرتي؟!
نظرت مستفسرًا، فقال متبسّمًا: أنت وأولادك... أنتم أثمن من ذهب الدنيا بأسره.
لم يكن الموقف يحتمل الكلام، كان عناقًا حارًّا، تركت فيه لدموعي الحرّيّة لتنحدر على أكتاف رجل عظيم!!




No comments:

Post a Comment